فصل: باب: إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فَهُوَ كالعُمْرَى وَالصَّدَقَة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ أُمِّ الوَلَد

- قوله‏:‏ ‏(‏أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا‏)‏، واستدل منه بَعْضَهم على جوازِ بَيْع أُمِّ الولد، والآخرون على عَدَمِه، كما فَصَّله النوويُّ في «شرح مسلم»؛ والكلّ في غيرِ موضعه، فإِنَّ الحديثَ مسوقٌ لبيانِ انقلاب الأُمور في إبَّان الساعةِ، ولا مِسَاس له بهذه المسائل‏.‏ ونَقل الحافِظْ ههنا كلامًا مِن نُسخة الصَّغاني، مع عبارة الكِرْماني، وما فهمت مراده، ولعلَّه لم يتحصَّل مرادُه عند الحافظ أيضًا؛ ولذا اكتَفَى بِنَقْل عبارةِ الكِرماني، وسكت عليه؛ والذي يترشَّحُ منه انَّ بَيْع أُمِّ الولد جائز عند المصنِّف، كبيعَ المُدبَّر عند الشافعي‏.‏

قلت‏:‏ أما بَيْع امِّ الولد، فلم يذهب إليه أَحَدُ من الفقهاء الأربعة، واختاره الصاهيريُّ، وفي «طبقات الشافعية»‏:‏ أنه جَرَت محاورةٌ بين الِنْدَواني، والظاهري في مسألة بَيْع أُمِّ الولد، فحج الهِنْدوانيُّ الظاهريِّ، وهذه المسألةُ ليست من المسائل المُجْتَهِد فيها عندنا، حتى لو قضى بها القاضي أيضًا لم تَنْفِذ، بخلاف المُدَّبر، ولنا ما عند محمد في «موطنه» عن عمرَ‏:‏ «أيما وليدةٍ ولدت من سيِّدها، فإِنه لا يبيعها، ولا يهبها، ولا يورثها، وهو يستمتع منها، فإِذا مات فهي «حُرَّة»، ثمَّ إنَّ الصَّغاني هذا هو الحافظ شمي الدين الصَّغاني، من علماء المئة السابعة، سافر من صَنعان- قرية- ونَزل بلا هوُر، ثُم رحل إلى اليمن، وهو إمامُ اللُّغة، حنفيُّ المذهب، وصنَّف «المحكم» «العُبَاب»‏.‏ و«القاموس» مأخوذٌ من هذين الكِتابَيْن‏.‏

2533- قوله‏:‏ ‏(‏هُو لك يا عبدُ بْنَ زَمْعَةَ‏)‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وقد مرَّ الكلامُ فيه- في أوَّ البيوع- مُسْتوفىً؛ ولعلَّ البخاريِّ تمسك به على جوازِ البَيْع، بأن تلك الوليدةَ كانت أُمَّ ولد، ولما بقيت في بيت مَوْلاها بعد وفاتها أيضًا، دَلَّ على عدم عِتْقِها، وبقائها على الرِّقِّية، كما كانت، فيجوز بَيْعُها لا محالة؛ قلت‏:‏ وقد مرَّ مني أنها كانت زانيةً، فلا تكون أُمَّ ولدٍ قَطْعًا، لتوقِفُّه على التحصين عندهم، ولم يوجد، وحنيئذٍ لا يتم ما رامه المصنِّف‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ المُدَبَّر

قد مرَّ الكلامُ فيه، وأَنَّ تراجِمَ المصنِّف في هذا البابُ متهافتةٌ، والذي يَلُوح منها أنه اختارَ مذهب الشافعي‏.‏

2534- قوله‏:‏ ‏(‏عامَ أَوَّل‏)‏،من إضافةِ الموصوف إلى الصِّفة؛ وأصلُه العامُ الأَوِّل‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ الوَلاءِ وَهِبَتِه

وهذه من الحقوق اللازمة، الغيره القابلة للانتقال، وصرَّح محمدٌ في «موطئه» بعدَم جواز بعيعها؛ وفيه حديثُ نقله في «شَرْح السِّراجي» وفيه كلامُ قال مُغُلْطاي‏:‏ إنَّ الحديثَ المذكور مُسَلْسَلٌ بالأئمة، فرواه أحمدُ عن الشافعيِّ عن محمد عن أبي حنيفة؛ وكذا رواه الشافعيُّ عن مالك أيضًا، فاحفظه‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ، أَوْ عَمُّهُ، هَل يُفَادَى إِذَا كانَ مُشْرِكًا

ولعلَّ ترجمتَهُ ناظِرةٌ إلى ما قاله الحنفيةُ‏:‏ إنَّ الرَّجُل إذا مَلَك ذا رَحِم منه عَتَق عليه؛ ولم يَخُصُّوه بقرابةِ الوَلاء‏.‏ وغَرضُه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم مَلك عَبَّاسًا، ثُم لم يَعْتِق عليه؛ قلت‏:‏ وأين المِلْكُ فيه قَبْل التقسيم، وليس هناك إلا حَقُّ المِلْك، والحريةُ تَعْقُبُ المِلْك نَفْسه، دون حَقِّه‏.‏ أما المُفَاداتُ كما في الحديث، فجائزةٌ عندنا أيضًا، كما في «الدُّر المختار»‏.‏

باب‏:‏ عِتْقِ المُشْرِك

مِن باب إضافةِ المَصْدر إلى فَاعِله‏.‏

باب‏:‏ مَنْ مَلكَ مِنَ العَرَبِ رَقِيقًا، فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّة

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا

ولا استرقاقَ عِنْدنا في بَالغِيهم، غيرِ النِّسوان، والذُّرِّية، وهي المسألةُ في المرتدِّ؛ والاختياراتُ المذكورةُ في الفِقْه في غيرِ مُشْرِكي العرب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَنْ رَزْقناه مِنّا رِزْقًا حَسَنًا‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أي جعلناه مولىً أعلى؛ قلت‏:‏ ولا تَمسُّك له في الآية، إلا أن ينتفع من اطلاق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَبْدًا مَّمْلُوكًا‏}‏‏(‏النَّحل‏:‏ 75‏)‏ فيدلُّ على أنه لا فرق بين العجم، والعرب في الاسترقاق، وهو مذهب الشافعيِّ، وغيره‏.‏ وهو الذي نسبه المُحشِّي إلى الكُوفيين، ولَعَلَّه سَهْوٌ من الكاتب، فإِنَّ مَذْهبهم عَدَمُ الاسترقاق في العرب، ولنا ما عن عمرَ، كما في «الهامش»، فراجعه، وأَبْسط منه عند الدارمي، فراجع لفظه، فإِنَّه أَنْفع، وقد تَتَبْعت لذلك غزواتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم لينكشِفَ الحالُ، أنه ماذا عامل مع بالغي العرب‏؟‏ فلم أجد فيها شيئًا فاصِلا، نعم وَجَدْت في الصحابة أنهم كان لهم عبيدٌ بالغون من العرب، ولكنه ليس بفاصِلٍ أيضًا، لأنه لا يُدْرى أنهم استرقُّوهم صِبيانًا، أو كانوا بالغين حين استُرِقُوا، ولا نِزاع في الأَوَّل، والثاني غيرُ متعيَّن، فبقي الأَمْر في الإِبهام‏.‏ أما إطلاقُ السِّبي على غنيمة هَوازن، فليس فيه أيضًا ما يَنْفِصلُ به المَرام، لأنها كانت مِنْ جِنْس الأموال والنِّسوان، وأما رِجالُهم، فلم يُسْتَرَقُّوا، كما في «شَرْح المواهب»؛ وبالجملة لم أجد غزوةً من الغزوات يَيْبت فيها استرقاقُ رجال العرب، ولو ثبت لكان فاصِلا في الباب‏.‏

2539،2540- قوله‏:‏ ‏(‏قال عبَّاسٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم قلت‏:‏ وفيه ذِكْر الأَسْر والقيد؛ والكلامُ في الاسترقاق دون الأَسْر‏.‏

2541- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَتَل مقاتِلَتْهُم، وَسَى ذَرَارِيَّهُم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏:‏ قلت وفيه ما يدل على خلافِ ما رامه المصنِّف، فإِنَّ فيه قَتْلَ المقاتلين مكان الاسترقاق، نعم فيه استرقاقُ الذرية، ولا خلاف فيه‏.‏

2543- قوله‏:‏ ‏(‏وكانت سَبِيةٌ منهم- بني تميم- عند عائشةَ، فقال‏:‏ أَعْتِقيها، فإِنَّها من ولدِ اسماعيلَ‏)‏ فيه دليلٌ على كون بني تميم من ولدِ اسماعيلَ، وجملة الكلامِ أنَّ البخاريَّ إن ادعى استرقاقَ العربِ في الجملة، أي بعد وُوقوع السَّبي عليهم، فهذا مُسَلَّم، فإِنه يجوزُ في صبيانهم، ونِسوانهم، وإن ادعى الإِطلاق والكُلية، فلا نُسَلِّمه‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ»

باب‏:‏ العَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ سَيِّدَه

وهذه ديانةً لا قضًا‏.‏

2545- قوله‏:‏ ‏(‏وعَلَيْه حُلَّةٌ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وَغِلط فيه الراوي، فإِنه لم تكن حُلَّةٌ على واحد منهما، إنما قيل له، أن يجعلها حُلَّة، باستبدال الرداء، أو الإزار‏.‏

2548- قوله‏:‏ ‏(‏والذي نَفْسي بِيَده‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، هذا مِن قول أبي هريرة‏.‏

باب‏:‏ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ، وَقَوْلِهِ‏:‏ عَبْدِي أَوْ أَمَتِي

باب‏:‏ إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِه

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ‏}‏‏)‏‏(‏النور‏:‏ 32‏)‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏

واعلم أن الحديثَ ينهي أن يقول أَحَدُكم‏:‏ عبدي، وأمتي، وسيدي، وسيدتي؛ والقرآن يُطْلِقُه، حيث قال‏:‏ ‏{‏وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ‏}‏ فكيف التوفيق‏؟‏ قلت‏:‏ وقد مرَّ أنه من باب تهذيب الآداب والألفاظِ، كالنَّهي أن يقول‏:‏ ‏{‏رعِنَا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 104‏)‏ وفي مثله تراعى الأحوالُ، فإِذا أوهم خلافَ المراد حُجرِ عنه، وإلا لا‏.‏

ثم أقول‏:‏ إنَّ مثار النَّهي في إطلاق لفظٌ «عبدي، وأمتي» أمران‏:‏ كونُ هذه الألفاظِ مما يُشْعِر بتكبُّر المتكلِّم في نفسه؛ الثاني‏:‏ انتقالُ الذِّهن إلى الله تعالى، فإِذا كان إطلاقُه من ثالثٍ انتفى الأمران، ويجوز إطلاقُه، كما يقال‏:‏ عَبْد زيدٍ، وعَبْدُ عَمْرو؛ فإِنَّ التكبُّرِ في إضافة المتكلِّم إلى نَفْسه، بأَن يقول‏:‏ عبدي؛ أما إذا قاله ثالثٌ، فلا شائبةَ فيه للتكبر، وكذا لا ينتقل فيه الذِّهنُ إلى الله تعالى؛ وحينئذٍ لا إشكال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ‏}‏ فإِنَّه إطلاقٌ مِن الله سبحانه، وكذا في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ‏}‏ ‏(‏يونس‏:‏ 25‏)‏‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ‏}‏‏(‏يوسف‏:‏ 42‏)‏ وإنما يُوهِمُ التْكبُّر إذا كان مِصْدَاقه موجودًا، ولذَا نهى في الحديث الآتي أن يقول‏:‏ «أَطْعِم رَبَّك، ووضيء رَبَّك، واسقِ رَبَّك»‏.‏ لأنه إطلاقُ المولى بحضُور مَمْلُوكِه، فَيُوهِم التكبُّر، قلت‏:‏ هو على حَدِّ قولهم‏:‏ أمير المؤمنين يأمرك بكذا، مشيرًا إلى نفسه، وفيه استكبارٌ أَشدَّ الاستكبار‏.‏ فإِذا استعمله ثالثٌ، فلا بأس به، لانتفاء العِلَّة، فتلخص مما قلنا‏:‏ أَنَّ مثار النهي إمَّا التكبُّر- وهو في الحضور دون الغيْبة- أو إطلالة بنفسه، لا مِن ثالثٍ، أو تَوَّهم انتقالِ الذِّهْن إلى الله تعالى، فحيث لا يوجد واحدٌ منهما، يَحِلُّ الإِطلاقُ لا محالة‏.‏

2555، 2556- قوله‏:‏ ‏(‏إذا زَنَتِ الأَمَةُ فاجلِدوها‏)‏ وهذا موكولٌ إلى الإِمام، ومعنى الأَمْر، أن لا يمتنع عن إقامةِ الحدِّ عليها؛ وقد نبهناك فيما مرَّ أن الشيء قد يكون داخِلا تحت وِلايتين‏:‏ ولاية عامة وهي ولاية الإِمام، ولاية خاصَّة، ثُم تُحذف الوِلاية العامة من البين، مع كونِها منويةً، ويبقى ذلك الشيء منسوبًا إلى الوِلايةِ الخاصَّة، فيتوهم كونُها مدارًا؛ فهكذا في هذا الحديث‏.‏ أَمَر المَوْلى أنْ يَجْلِدَ أمته، مع كونِه تحت وِلاية الإِمام فيجلِدُها كما هو المعهودُ، عند الشَّرْع، وهو بإِحضارها عند الإِمام، ثم يأمر الإِمام به، فهذا هو طريقُ الوِلاية الخاصَّة مع العامة‏.‏ فاعلمه، وقد قررناه سابقًا‏.‏

2555، 2556- قوله‏:‏ ‏(‏فبيعُوها ولو بِضَفِير‏)‏ وهذا نحو التغريب في حقِّ الإِماء، وأما الحرائر فليس فيهن إلا الرّجْم، أو الجَلْد‏.‏

باب‏:‏ العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِه

2558- قوله‏:‏ ‏(‏فَسَمِعْتُ هؤلاء من النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قال النُّحاةُ‏:‏ إنَّ «هؤلاء» لا تُستعمل إلا في ذوي العُقول‏:‏ واستعملت ههنا في الكلمات؛ والحديثُ وإن لم يكن حجَّةً في باب القواعد، إلا أن الأوْلى عندي أن يُقال بجوازِ استعمالِها مُطْلقًا، كما في الحديث‏.‏

باب‏:‏ إِذَا ضَرَبَ العَبْدَ فَليَجْتَنِبِ الوَجْه

والأَمْرُ بالاتقاء عن الوَجْه ليس مخصوصًا بالإِنسان، بل ينبغي أن لا يُضْرب وَجْهُ الفَرَس أيضًا، كما في «فصول- الفتوح- من باب الحظر والإِباحة»‏.‏

2559- قوله‏:‏ ‏(‏وهو ابنُ سمعان‏)‏وهذا الراوي ضَعيفٌ، ولذا دكره في السَّند بابن فلان، ولم يذكره باسمه؛ وقد وقع نحوُه في- كتاب البخاري- في مَوْضِعَين، أو ثلاثٍ، ولا يقدح ذلك في الحديث، لأنه ليس بمدارٍ في هذا الموضع، بل وقع مُقْترِنًا مع الغير، كما ترى ههنا، أنَّ المَدار على مالك؛ أما ابنُ سمعان، فذكره بِحَرْف العَطْفِ تَبعًا؛ وحينئذٍ لو حذفه أيضًا لما كان بأسٌ، فكذا إذا ذكره مقترِنًا بالغير‏.‏ ثم هذا أيضًا خلافُ الاحتياط‏.‏

كتاب‏:‏ المُكَاتَب

باب‏:‏ إِثمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَه

باب‏:‏ المُكَاتَبِ، وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْم

باب‏:‏ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّه

- قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏مِنْ مالِ ااِ الذي اتاكم‏}‏‏)‏ ‏(‏النُّور‏:‏ 33‏)‏ ويجوزُ عندنا أداءُ الزكاة إلى المكاتب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏قال رَوْحٌ‏:‏ عن ابن جُرَيج‏:‏ قلت لعطاءِ‏:‏ أواجِبٌ عليَّ إذا عَلِمت له مالا أَنْ أُكاتبه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ والعبدُ لا يملِك مالا، إلا أن يكون عبدًا لأصحاب المروءة، فتركوا ما اكتسبه في يدِه‏.‏ ولعلَّ الُبخاريَّ ذهب إلى وجوبِ الكِتابةِ إن سأله العَبْدُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تَأْثُرُه عن أَحَدٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أي هل عندك نَقْلٌ على ما تقول‏؟‏ فقال‏:‏ لا، ثُم تذكر بعده، فأخبره، كما في الكتاب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ابن سيرين‏)‏ذكر عصام في «في حواشي شمائل التِّرمذي» أنه غيرُ مُنْصرف للِعَلَمية والتأنيث‏.‏ فظنَّ أنه اسمُ امرأةٍ، وهو كما ترى، وصَدَق الحافظ ابن تيميةَ انَّ الرَّجُلَ إذا تكلَّم في غير فَنِّه أتى بالعجائب، وهكذا جَرَّبناه في رجالٍ لا تكون لهم ممارسةٌ في فنَ، ثم إذا تكلَّموا فيه، أتوا فيه بما يقضي منه العجب؛ منهم المولوي أحمد حسن السنبهلي- المحشيِّ «للهداية»، و«مسند» أبي حنيفة- مَرَّ على حديث عند الترمذي، ونقل عنه عبد الكريم بن مالك الجزري، فهو ثقةٌ، فقال‏:‏ لم لا يجوزُ أن يكون هو ذلك الثَّقة دون ابن أبي المُخارِق‏؟‏

قلت‏:‏ ومِثْل هذه المناقشةِ دليلٌ على عدم ممارستهِ لذلك العِلْم‏:‏ فانَّ المُحَدِّين يعلمونَ سلسلةَ الأساتذةِ والتلامذةِ، كرأي عَيْن، فإِذا حكموا على رجلٍ بأنه فلانٌ، نظروا أولا إلى أساتذته، وتلامذته، وطُرْقه، فلا يحكمون بالإِبهام، والأَوهام، فما حكم به الترمذيُّ، إنَّما حكم بعد عِلْم منه أنه ابنُ أبي المُخارق، كالعيان، لا أنه ظنُّ منه، كالاحتمالات العقلية، فتنبه؛ بالجملة إن اخترت عدمَ انصراف سِيرين، فلا وَجْه له إلا على مَذْهب الأَخْفَش، لأن «الياء والنون» أيضًا من أسباب مَنْع الصَّرْف عنده، فيزيد عددُ أسبابِ مَنْع الصَّرف عنده‏.‏

2560- قوله‏:‏ ‏(‏مَن اشترط شَرْطًا ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وظاهرُه أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ ليس له ذِكْر في القرآن، فهو رَدُّ باطل، مع أنه لم يذهب إليه أحد‏.‏ وأجاب عنه الإِمام الشافعيُّ، فراجعه، وتلخيصُ كلام الكبارُ عسيرٌ، ولك أن تقول‏:‏ معنى كونه ليس في كتاب الله، أي يخالف كتابَ الله، فلا يجِب كونُه مذكورًا فيه، بل يجب كونُه غير مخالفٍ لقواعد الشَّرْع‏.‏

2563- قوله‏:‏ ‏(‏تِسَ أَواقٍ‏)‏ وقَدَّم آنِفًا أنه كان خَمْسَ أواَقٍ، ويوجدُ مِثل هذه الاختلافات بين الرواة كثيرًا، ولا تتصدى إلى التطبيق بينها، وإنم نهتم بهاإذا كانت مدارًا لمسألةٍ، أما إذا كانت في ذيل القِصَّة، فلا تتعرَّصُ لها‏.‏

باب‏:‏ اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاس

ذهب الشافعيةُ إلى جوازِ بَيْع المكاتَب، وبَيْع المُدَبَّر‏.‏ مع أن التدبير من التصرُّفات اللازمة، ولا يجوزُ عندنا بيع المكاتَب إلا بعد التَّعْجيزِ، فإِنَّ عجز عن أداءِ بدلِ الكتابة جاز بَيْعُه لَصيرُورته قِنًا، وكذا يجوزُ إذا قال لمولاه‏:‏ بِعْني، ورَضِي به المَوْلى لتضمُّنِه التعجيزَ، فلا يَرِد الحديثُ علينا، فَهُم حَمَلُوه على بَيْع المكاتِبَ، ونحن حملنان على مسألةِ التعجيز، وهذان نَظَران، ولكلِّ واحدٍ نَظَرٌ، وهو راعيه، فلا حُجَّةَ فيه لأَحَدٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو عَبْدٌ ما بقي عَلَيْه دِرْهِمٌ‏)‏وهو المسألةُ عندنا‏.‏ وقد ذهب جماعةٌ إلى تَجزُّىء العِتْق في المكاتَب بِقَدْر أداء بَدل الكِتابة‏.‏ فقال‏:‏ إنه يعتق بِقَدْر ما أَدَّى، وله حديثٌ مرفوعٌ عند الترمذي عن ابن عاس- وحَسَّنه أيضًا- قال‏:‏ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «يؤدِّي المكاتَبُ بِحصَّة ما أدَّى دَيةَ حُرِّ، وما بقي دِيةُ عبد»‏.‏ قال الترمذيُّ‏:‏ والعملُ على هذا عند بَعْض أهل العلم من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وأكثَرُ أهل العِلْم من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وغيرِم أن المكاتَب عَبْدُ ما بقي عليه دِرْهم، اه، ولم يعبأ به البخاريُّ، وأَسْقَطَه، ووضع المسألةَ ما هي عند الجمهور؛ قلت‏:‏ ولم أَرَ أحدًا منهم أجاب عنه؛ وما ذكره الشيخُ عبدُ الحقِّ، فلا يُسْمِن ولا يُغني من جوعٍ‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِي

باب‏:‏ إِذَا قَالَ المُكَاتَبُ‏:‏ اشْتَرِني وَأَعْتِقْنِي، فَاشْتَرَاهُ لِذلِك

واعلم أن الشِّراء بِشَرْط العِتْق مُفْسِدٌ للعقد عندنا‏.‏ قلت‏:‏ هذا في الحُكْم والقضاء؛ أما إذا كان من باب المروءةِ، فلا‏.‏

2565- قوله‏:‏ ‏(‏دَعِيهم يَشْتَرِطُوا ما شاءوا‏)‏، وهذا ما الذي كنّا ننتظره، فإِنَّه صريحٌ في أن الأَمْر في قوله‏:‏ «اشترطي»، لم يكن للاشتراط، بل للإلغاء، كما في الرواية، أي اشتراطُهم لَغْوٌ، فاشتريها أنت، ويكون الوَلاءُ لك‏.‏

كتاب‏:‏ الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيهَا

باب

2566- قوله‏:‏ ‏(‏يا نساء المسلمين‏)‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ واعلم أنَّ إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة جائزةٌ عند الكوُفيين؛ وخالفهم البَصرِيُّون، وأوَّلوا في مِثْل هذه المواضيع؛ وليس بشيءٍ فإِنَّ كثرة الاستعمال دليلُ الجواز؛ فمذهب الكوفيين أرجِح‏.‏

2566- قوله‏:‏ ‏(‏لا تَحْقِرَنَّ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وحاصِلُه أنه ينبغي لها أن تنفق من كثيرِها وقَلِيلها، ولا تمتنع عن المواساةِ بالقليلِ أيضًا‏.‏

2567- قوله‏:‏ ‏(‏ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْن‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وصُورَتُه أن يُعَدَّ الهِلالانِ من أطراف الشَّهْر، والواحد من الوسط‏.‏

باب‏:‏ القَلِيلِ مِنَ الهِبَة

2568- قوله‏:‏ ‏(‏ولَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاع، أو كُرَاعٍ لأَحَبْتُ‏)‏، واعلم أن إجابتَه الدَّعْوةَ سُنَّةٌ، وفي «الهداية»؛ إنَّ إجابتَه دعوةَ الوليمةِ واجبةٌ، ولعلّ التخصيصَ بدعوةِ الوليمة، لأن من دَأْب الناسِ أنهم يَطْبُخُون في الولائم طِعامًا كثيرًا، ويتكلَّفون فيه، فلو لم يُجَب إليها الأَدى إلى إضاعةِ أموالهم؛ وبالجمة إنَّ الأَمْرَ فيها مُحتلِفٌ باختلاف الأحوال، والأزمان، والأشخاص‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيئًا

يعني أنه جائزٌ إذا عَلِمَ طيبَ خاطِرِهم؛ والأصل فيه‏:‏ أَنَّ كلَّ ما لا يُعَد سؤالُه ذُلاًّ ودناءةً في العُرْف، فهو جائزٌ، كالسؤال من السلطان؛ ذكره الغزَّالي؛ وكذك كُلّ مِنْ كان في يده نظم شيء، وقسمته، أما إذا كان خلاف ذلك، فهو مَوْرَدُ الوعيد؛ فإِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أَمَر أُمَّته بمكارِم الأَخلاِ البهيَّةِ، ونهاهم من الخِلال الدنيَّة‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اسْتَسْقَى

باب‏:‏ قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيد

2571- قوله‏:‏ ‏(‏الأَيْمنُونَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏:‏ وقد عَلِمت أن سُنَّة الهِديَّة أنها توضع ين يدي المُهدى إليه، فيراعي في القسمة يمينه، بخلاف غسل الأيدي، فإِنَّه يُراعي فيه الصْف‏.‏

2573- قوله‏:‏ ‏(‏أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلّم حمارًا وحشيًا‏)‏وعند مسلم عجز حمار وَحْشيء، يَقْطُر دمًا، وفي لفظ‏:‏ شق حمارِ وحشيِ، ولم يعبأ البخاريُّ‏.‏ فلم يخرجه في «كتاب الحج»، وذلك لأنه وافق الحنفية في المسألة‏.‏

باب‏:‏ قَبُولِ الهَدِيَّة

باب‏:‏ قَبُولِ الهَدِيَّة

باب‏:‏ مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْض

باب‏:‏ ما لا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّة

ولا بد الفرق بين الهدية والصدقة للفرق بين أحكامهما، حِلاًّ وحُرْمةً، فقالوا‏:‏ إن المقصودَ أولا في الهَدِية المُهْدى إليه، وإن حَصَل الثَّوابُ آخِرًا؛ والمقصودَ من الصدقةِ هو التقرُّبُ إلى اللهاِ أَوْلا، وإن رضي المُهْدَى إليه آخِرًا أيضًا‏.‏

2575- قوله‏:‏ ‏(‏وَترَك الضَّبَّ تقدُّرًا‏)‏- والضَّبْ بالفارسية سوسمار وفي الهندية كوه؛ وهو مكروهٌ تحريمًا عند فقهائنا، وتنزيهًا عند المحدثين، ولعل ذلك لاختلاف الروايات في أَكْلِه وترْكه، والمختارُ عندي قولُ الفقهاء، لأنه من أَخْبثِ الحيواناتِ، مع أنه ذُو سُمَّ؛ وسياقُ الأَحاديث عند مُسْلِم يَدُلُّ على أن الأَمْرَ انتهى فيه إلى التَّرْك، فراجعه، عن أبي سعيدٍ، أن أعرابيًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال‏:‏ إن في غائط مضبة، وأنه عامةُ طعامِ أهلي، قال‏:‏ فلم يُجِبه، قلنا‏:‏ عاوِدْه، فلم يُجِبه ثلاثًا، ثم ناداه رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم في الثالثةِ، فقال‏:‏ «يا أعرابيُّ، إنَّ الله عزّ وجل لَعَنَ وغَضِب على سِبْط من بني إِسْرائيل، فمسخَهم دوابًّا، يدبون في الأرض؛ فلا أدري لعل هذا منها، فَلَسْتُ آكُلها، ولا أنهى عنها»، اه؛ وفيه دليلٌ على الكراهةِ، وإن لم يكن نَهى صراحةً، لعدم النص فيه‏.‏

وكذا عند أبي داود، والنَّسائي، قال‏:‏ فشويتُ منها ضَبًّا، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فوضعته بين يديه، قال‏:‏ «فأخذ عودًا فَعَدَّ به أصابِعَه، ثُم قال‏:‏ إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ»‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وأخرج الزَّبْلِعيّ نحوه عن «مسند» أحمد، واحتج محمدٌ على الكراهةِ بحديث عاشةَ، وأخرج الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أُهِدي له ضَبَّ، فلم يأكله؛ فقام عليه سائلٌ، فأرادت عاشةُ أن تُعْطِيه، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «أتعطيَنُ مالا تأكلين‏؟‏ قال محمد‏:‏ فقد دلَّ ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كَرِه لنفسه، ولغيره أَكَلَ الضَّبّ‏.‏

2575- قوله‏:‏ ‏(‏ما أُكِل على مائدةِ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وتسامح فيه الراوي، فإِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يأكل على مائدةٍ، والصوابُ في ترجمتهكات كى سبنى أي التبسي من الخشب، وليست ميز وتبائى كما قالوا، نعم تُطْلُقُ عليه مجازًا‏.‏

ولا تُشْترط المساواةُ بين الازواجِ، فيما يُهدَى إليه، هكذا كنت أَجَبْتُ عند الاستفتاء‏.‏

مسألة ‏(‏في كفّار الهند‏)‏

إعلم أن كُفَّارَ الهندي لا يُورثون النباتِ، فما في أيديه لا يكون إلا عَصْبًا، فهل يجوزُ بناهُ المسجد على أرضٍ أخذناها منهم‏؟‏ قلت‏:‏ وهو جائزٌ، والخلاف فيه يُبنى على كَوْنِهم مُخاطِبين بالفُرو أم لا‏.‏

2581- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّ نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كنّ حِزْبين‏)‏‏:‏ فعائشةُ، وحَفْصةُ كانتا في حِزْب؛ وزينب، وغيرها في حزب‏)‏ وقد سها الراوي ههنا في تفسير الحِزبين؛ فإِنَّ اختلج في صدْرِك أنه كيف هذا في أمهات المؤمنين قلت‏:‏ ألم يكن بَشَرًا‏؟‏ فثبت منهن النزاعُ، والاغتباطٌ والسورة في الكلام، وغيرها‏.‏ فتلك أمورٌ تعتري الإِنسان مِن تلقاء ضَعْفِه، معم الفَضْل بالتقوى، ومخالفة الهوى، وصحبة خَيْرِ الورى، وإيثار الدنيا على العُقْبى، لا بِخَلْع النشأةِ الإِنسانة، وتلبس النشأة الأخرى، ومَنْ لا يُفَرِّق بين هذه فقد غوى، على أن الله تعالى يبتلى بها خواصَّ عبادِه، وأنبيائه، فتجري تلك الأمورُ في بيوتهم أيضًا عَزْمُهم وصَبْرهم، وعَدْلُهم وتَقْواهم، وليعلمَ النَّاسُ أن علانِيَتَهم خيرٌ، وسريرَتهم خيرٌ من علانيتهم؛ وليكونوا أسوةً لأممهم، فيه حِكَمٌ لا تَخْفَى والله تعالى أعلم‏.‏

2581- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّ نِساءَك يَنْشُدْنك العدلَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهذه الكلمةُ تُشْبِه التي تكلَّم بها رأسُ الخوارج فاستأذن له بعض الصحابةِ أن يَضْربوه بالسيف، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلّم دَعْه لعلَّ اللهاَ يُخْرج من ضئضي، هذا قومًا يَخْرُجون من الدِّين»‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وقد أجبت عنه في رسالتي «إكفار المُلْحِدين»، وقد مرّ في هذه الوريقاتِ أيضًا أنَّ الكلمةَ الواحدة، تَخْتَلِف إسلامًا وكُفْرًا باختلاف النِّيات، واللَّهْجة، وصورِ الأداء فتذكره‏.‏

باب‏:‏ مَنْ رَأَى الهِبَةَ الغَائِبَةَ جائِزَة

ولعل المصنِّف أراد من الهبةِ الشيءَ المَوْهوبَ، والمعنى أنَّ هبةَ الشيء جائزةٌ، وإنْ كان غائبًا عن المجلس، أو كان الموهوبُ له أيضًا غائبًا؛ وحاصله أنه لا يُشْترطُ لصحةِ الهبةِ حضورُ الموهوبِ له، أو الشيء المَوْهوب؛ وتمسك له بِقصَّة سَبْي هوازن، فإِنَّ الواهِب فيها كان النبيَّ صلى الله عليه وسلّم والأشياءَ الموهبةَ لم تكن حاضِرةً في المجلس، فثبت الترجمةُ، ثم التحقيقُ على تخريج تلك القِصَّة، فسنعود إليه، ونحققه أنها كانت إعتاقًا لا هبةً‏.‏

باب‏:‏ المُكافَأَةِ في الهِبَة

يعني أنَّ الهِبةَ بِشَرْط العِوَض جائزةٌ، وفي «الهداية» أَنهاهِبةُ ابتداءً، وَبيْعٌ انتهاءً‏.‏

باب‏:‏ الهِبَةِ لِلوَلَدِ، وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَينَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلا يُشْهَدُ عَلَيه

باب‏:‏ الإِشْهَادِ في الهِبَة

باب‏:‏ هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأَتِهِ وَالمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا

جزم المصنِّفُ ببطلان الترجيح في الهِبة؛ وعندنا في تفصيلٌ، فإِنَّ رَجَّح بَعْضُهم على بَعْضٍ لمعنى صحيحٍ جاز، نحو إنْ كان بَعْضُهم معتملا، والآخَرُ غيرُ معتمل، أو كان له عِيالٌ كثيرة، وليست تسعهم نَفَقَتُه، فلا بأس أن يفضل بعضهم بعضًا في المِنْحة والصِّلة، كذا ذكره على القارِي، وهكذا ينبغي‏.‏

ويجوز للفقيه أن يُخصِّص الحديث عند انجلاء الوَجْه، ولا يجب عليه أنَّ يَعَضُّ بعموم المنطوق، وفي عامَّةِ كُتُب المذاهب الأربعة أن تَخصِيص خَيْرِ الواحد جائزٌ بالقياس‏.‏ قال الشيخُ ابنُ الهام‏:‏ يِشَرْط أن يكون هذا القياسُ مُستَنْبطًا، ومُنْتهيًا إلى نَصِّ، فقال ابنُ القاسم‏:‏ إنَّ هذا الشَرْطَ لا يُعْلَم من كلام العلماء‏.‏ وصَرَّح الشيخُ تقيُّ الدين بنُ الدقيق العيد في حديث النَّهي عن تَلَقِّي الجَلَب أَنَّ التخصيصَ بالرأي جائزٌ عِنْد ظُهور الوَجْه؛ ولذا قال الحنفيةُ‏:‏ إنَّ النَّهي المذكورَ إنما هو إذا كان التَّلَقِّي يَضُر بأهل البلد، وإلا فهو جائزٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا أشهد على الجور‏)‏ وههنا قرينةٌ على كونِه جَوْرًا، لأنه كانت له زَوْجتان، وكان له أولادٌ من كلِّ منهما، ولا رَيْب أن في الترجيح بين أولادِ إحدى الزوجتين مظنة الجَوْر، فأنكر عليه لهذا‏.‏ أما إذا كان الترجيحُ لداعيةٍ نحو كَوْن أحدِهما مؤمنًا تقيًا، والآخر فاسِقًا شقيًا، فلا جَوْر في التفضيل‏.‏

ونظيرُ التفصيل في جواز التفضيل بين الأولاد ما رُوي‏:‏ أنَّ عمَر كان يُحِب أن يطلِّق ابنهُ زوجَتَه، فلم يُطلِّقها‏.‏ فبلغ خبرُه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فأَمَرَه أن يُطلِّقها، مع أنه ليس بكلية، وفيه أيضًا تفصيل؛ ففي بعض الأحوال، يجب على الولدِ أن يُطلِّق امرأتَه عند أمر أبيه، ولا يجِبُ في بعض آخر؛ والسرُّ في ذلك أنه قد يكون في ذِهْن صاحِب الشَّرع تَفْصِيلٌ في المقام، ثُم لا يُفْصح به مخافةً أن يتهاونَ فيه الناس، ويستظهروا بتفصيله، كما في تلك القِصَّة؛ فلو فَصَّل المسألةَ لأمكن أن يتمسَّك به ابنُ عمرَ، ولم يطلَّق امرأَتَه، فأَمره أن يطلِّقها، وسكت عن التفصيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهل للوَالِدِ أن يَرْجِع في عَطِيَّتِه‏)‏ ليس للوَلِدِ أَنْ يرجِع في هِبته لِوَلِده، وهو الحُكْم عِنْدنا في كل ذي رَحِم مُحر، وجَوَّزَه الشافعيُّ في هِبة الوَالِدِ لَولَدِه خاصَّةً، وله في ذلك حديثٌ عند التَّرمذي، أخرجه في «البيوع» عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال‏:‏ «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يعطي عَطِيَّةً، فيرجع إلا الوَالِدُ فيما يُعْطِي وَلَدَه»‏.‏ اه‏.‏ فالحديثُ حُجّةٌ علينا في الجزءين‏:‏ فإِنَّ المشهورَ أَنَّ الرُّجوع عن الهِبة جائزٌ عندنا، عِنْد فُقْدَان المَوانِع السَّبْعة، وجمعها النَّسفيُّ في منظومته‏:‏

قد يَمْنَع الرُّجُوعَ عن الهِبة *** يا صاحبي حُروفْ‏:‏ دمع خزقة

ولا يجوزُ للوَالِدِ أن يَرْجِع عن هِبته لولده؛

قلت‏:‏ أما مسألةُ جوازِ الرجوع في الهبة عند فُقْدان الموانع السبعة، فهو حُكْم القضاء دون الدِّيانة؛ فيُكرَه الرجوعُ ديانةً عند عَدَم الموانع السَّبْعَة أيضًا، إما كراهة تحريم، كما في قول، أو كراهة تَنْزِيه، كما في قَوْلٍ آخر‏.‏ والحديثُ محمولٌ عندنا على حُكم الدِّيانة دون القضاء‏.‏ ثم جوازُ الرُّجُوع مَشْروطٌ، إما القضاء، أو الرضاء؛ فلا يجوزُ بدون أَحَدِما‏.‏ والمُفْتون في زماننا يُفْتون بجوازٍ الرُّجوع عند عدم الموانع السبعة مطلقًا؛ وليس بصحيح، فإِنَّ قيد الرضاء، أو القضاء مذكورٌ في متن «الكنز»، فاعلمه، ولنا حديثُ ابن ماجه‏:‏ «الواهِبُ أَحَقُّ بالهبة ما لم يَثب منها، اه‏.‏

بقي الجواب عن الاستثناء، فأقول‏:‏ إنَّ ما يَصْرِفُه الوَالِدُ من مالِ وَلَدِه ليس رُجوعًا، بل من باب؛ «أنت ومالُك لأبيك» فَيَدُهُ بسوطةٌ في مالِ وَلدِه، فإِنَّه يجوزُ له أن يأكلَ مِن مال وَلَدِه، سواء كان مِمَّا وهبه له، أو غيره؛ لكن لما كان استعمالُ المالِ الذي وهبه له رُجوعًا صورةً، نَزِّله مَنْزِلة الرُّجوع، وَوَضَعه مَوْضِعَ الاستثناء من الرجوع، وإلا فهو ليس برجوعٍ، ولكنه تملك مستأنفٌ بِحُكم الحديث‏:‏ «أنت، ومالك لأبيك»، وقد نبهناك مرارًا أن الحديث لا يأخذُ إلا صورةَ الواقع، وأما التخاريج فهي من أفعال الفقهاء والمجتهدين؛ وليس في الظاهر إلا الرجوعُ، فهو رجوعٌ في وظيفةِ الحديث، وتملُّك مُستأنَف في وظيفة الفقهاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واشترى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم مِن عُمَرَ بعِيرًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وليست منه مسألةُ رجوعِ الوالد في الهِبة، لأنَّ المُعطي في تلك القِصَّة هو النبيُّ صلى الله عليه وسلّم دون عمرَ‏.‏

2586- قوله‏:‏ ‏(‏فأرْجِعْهُ أمره بالرُّجوعِ لِدَفْع الكراهة‏.‏

باب‏:‏ هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيرِ زَوْجِهَا وعِتْقِها إِذَا كانَ لَهَا زَوْجٌ فَهُوَ جائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً، فَإِذَا كانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُز

لعله تعريضٌ إلى مذهب مالك، فإِنه قال‏:‏ لا يجوزُ للزوجةِ أن تتصرَّف في مالِ نَفْسِها إلا بإِن زَوّها، واختار المصنِّف مذه الجمهور، وأباح لها أن تهَبِ من مالها ما شاءت، ولم يشترط لها إذنًا من الزَّوْج‏.‏

قوله تعالى ‏{‏وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآء أَمْولَكُمُ‏}‏ وتفسيرُه عندنا عدمُ إعطاء الأموال في أيديهم، كما مر، وما شنَّع به ابنُ حَزْم، فقد أجاب عنه الأَلوسي في «روح المعاني» فراجعه‏.‏

2590- قوله‏:‏ ‏(‏تَصَدَّقي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وقد مَرَّ فيه بحثُ الشافعية أنه قضاءً، أو ديانةً، فإِن كان قضاءً لم يَجُز لغير القاضي أن يَحْكم به، وإلا جاز لكلِّ مفتٍ أن يُفْتي به‏.‏

قد مرَّ الإِمام محمدٌ على حديث‏:‏ «لا يمنع أَحَدُكم جارَه، أن يَعْزِز في جِدَارِه»‏.‏‏.‏‏.‏الخ في «موطنه»، وعبر هناك بلفظ «الحكم»، فدل على الفَرْق بين الدِّيانة والقَضاء في ذِهْن هذا الإِمام الذي هو مُدوِّن الفِقْه‏.‏

باب‏:‏ بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّة

2595- قوله‏:‏ في الإسناد ‏(‏عن طَلْحَة بنِ عَبْدِ اللهاِ رَجُلٍ من بني تَيْم بن مُرَّةُّ‏)‏ يريد أنه ليس مِن العشرةِ المبشَّرةِ، بل رجلٌ آخر‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّة

أي هل يجوزُ رَدُّها، مع أن الشَّرْع رَغَّب في قَبول الهدايا، فإِنَّها أَنْفَسُ مالٍ لرجل مُسْلم يُعْطي حَلالا مِن غير مشقَّة‏؟‏ فأجازه، وقسم على الحالات‏.‏

بقي البحث في أنه هل يجب عليه أن يفتش في أنها كيف بَلَغت إلى المُهْدِي، أَمِن سبيل الحلال، أم مِن الحرام‏؟‏ فسمعت عن بعض مشايخي أنه لا يجب عليه؛ تَمسُّكًا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً ؛ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً‏}‏‏(‏النساء‏:‏ 4‏)‏‏.‏

2597- قوله‏:‏ ‏(‏فَهَلا جَلَس في بيتِ أُمِّه‏)‏ فيه دليلٌ على أنَّ الهدِيةِ مِن جهةِ الحُكومة والمَنْصب، كلها مِن باب الرّشوة‏.‏

2597- قوله‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغُتُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، إشهادٌ على تَبْلِيغُ وَظِيفَته‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيه

وحاصِلُه أن المَداَر على الفَصْل‏.‏ وقلنا‏:‏ إن المدارَ على القَبْض، دون التقسيم، وقال الحسنُ‏:‏ أيهما مات قبل، قهي لورثةِ المُهْدَى له إذا قبضها الرسولُ‏:‏ وحاصل مذهبِه أنه جعلها للمُهْدَى له مطلقًا، واعتبر بالوَعْد، ولكنه اعتبر القبض أيضًا، فصار مذهبُهُ أقرب إلى الحنفيةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ كان له عند النبي صلى الله عليه وسلّم عِدَةٌ، أو دَيْنٌ فليأتِنا‏)‏ أقول‏:‏ وهذا من باب الدِّيانةِ، وترجمةُ المصنِّف من باب القضاء، فلا حُجَّة له فيه، ومِثْلُه غيرُ قليلٍ عند البخاريِّ‏.‏

باب‏:‏ كَيفَ يُقْبَضُ العَبْدُ وَالمَتَاع

عاد المصنِّف إلى المسألةِ البيوع، وكيف القبض في المنقولات؛ وقد ترجم عليه ثلاثَ تراجِمَ مِن قَبْل أيضًا؛ وحاصلها أنَّ مَذْهب الشافعيةِ فيه أضيقُ، لأنهم شرطوا النَّقْل؛ ومذهبُ المصنِّف أَوْسَع، ومَذْهِبُنا بين المذهبين، وخيرُ الأمور أوساطها، وقد فصلناه في «البيوع»‏.‏

2599- قوله‏:‏ ‏(‏خَبَأنا هذا لك‏)‏، وكان في مَخْرَمَة شِدَّة، فأرادَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أَنْ يرضِيَه، حتى قال‏:‏ رَضى مَخُرَمَةُ‏.‏

2019- بابٌ إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ‏:‏ قَبِلتُ

ولا يلزم القَبُول باللفظ عندنا، وهو مذهب البُخاري، وَنَقل المُحشِّي عن «فتح الباري» أن القَبول شَرْطٌ عند الشافعي‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَهَبَ دَينًا عَلَى رَجُل

وهذا في الحقيقةِ إبراءٌ، وإسقاطٌ للدَّيْن، وهل يشترط له القَبولِ ممَّن عليه الدَّين هل أو لا‏؟‏ ففيه قولان في كُتُبِنا‏:‏ فقيل‏:‏ يُشْترط؛ وقيل‏:‏ لا‏.‏

باب‏:‏ هِبَةِ الوَاحِدِ لِلجَمَاعَة

واعلم أنه يُشْتَرطَ لصحةِ الهبة عندنا أن لا يكون مُشَاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبةِ، وهو ضعيفٌ في المشاع‏.‏ يُم إن كان الواهِب واحدًا، والموهوبُ له جماعةً، فهو مشاع عند الإمام الأعظم‏.‏ وقال صاحباه‏:‏ أنه ليس بِمُشاعٍ‏.‏ وإنْ كان الواهِبُ جماعةً، والموهوبُ له واحدًا، فلا شيوعَ هند الإِمام‏.‏ وأما البخاريُّ فذهب إلى هَدْر الشُّيوع‏.‏ ولم يره شيئًا، فتصح عنده هِبةُ المُشَاع أيضًا‏.‏

قلت‏:‏ والذي تبيَّن لي أنَّ توسيعَ البخاري، وتضييق الحنفية، كلاهما ليس بمرضِيَ للشارع، فإِنَّ رَفْع الشيوع الإِبهام مطلوبٌ عنده البتة، أما إنه في أي مَرْتَبة، فلينظر فيه، فليس نَسَقُه إلى هَدْره، كما زعمه البخاري، ولا العضّ به، كما قاله الحنفية، والذي أراه أنًّ النَّهي عنه لكونِه مُفْضِيًا إلى النَزاع، وكلّ أَمْرٍ يكونُ النهيُّ عنه كذلك، لا يُشدِّد فيه الشارِعُ بنفسه، بل ربما يغمض عنه أيضًا، فلا بنبغي التشدُّدُ فيه؛ ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتبايعنون الثِّمار، فإِذا جذَ الناسُ، وحضر تفاضِيهم‏:‏ قال المُتاع‏:‏ إنه أصاب الثَّمْرَ الدُّمانُ، أصابه مُرِاضُ، أصابه قُشام، عاهاتٌ يحتجُّون بها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لما كَثُرَت عنده الخصومةُ في ذلك‏:‏ فإِما لا، فلا تتباعوا حتى يبدو صلاح الثَّمر- كالمشورة يشيرُها، لكثرة- «خُصُومتهم‏.‏ اه‏.‏ فقد فَهِم الراوي في تلك القِصَّةِ ما قد فهمناه، ولذا حَمَل النَّهي على الشمورةِ، لأنه كان لمعنى النزاع‏.‏

ونحوه في الفِقْه أيضًا، كالبيع إلى النَّيْروز، والمِهْرَجان، والجِذْع في السَّقْف، كلّها فاسِدٌ، ولكنه لو سَلَّم قبل حُلولِ الأجل في الأَوَّل، ونَزْع الجِذْع في الثاني، انقلب صحيحًا، لأن الفسادَ كان لمعنى النزاع، وقد ارتفع بالتسليم؛ ومقتضاه أن لا يكون الشُّيوعُ في الهِبةُ مُفْسِدًا لها، إلا أنَّ فُقهاءنا وَسَّعوا في البيوع، وَضَيَّقُوا في الهِبة، لأنَّ في البيع قوةً، فيثبت الاستحقاقُ بنفس العقد، فلا يَضُرُّه ضَعُفُ الشُّيوع، بخلاف الهِبة، فإِنه تبرُّعُ مُحْض، يحتاجُ إلى قُوَّة القبضِ، ولا يتمِ القَبْضُ مع الشُّيوع‏.‏

وكذا عند التِّرمذي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم نهى عن الثُّنيا، إلا أنْ تُعْلم، ومَرَّ عليه محمدٌ، وفسره بالجزء الشَّائِع، ولا بُعْد أن يكون هذا هو المرادَ‏.‏ وفَسَّره الناسُ باستثناء أَرْطالٍ معلومةٍ، وتَرَكَهُ محمدٌ، وههنا صورتان‏:‏ الأولى بعتُ مئة وَسْق إلا عشرة أَوْسُق، وهي جائزةٌ، ويكون ضامِنًا لقضاء الباقي بعد الاستثناء؛ والثانية بِعْتُ ثمارَ هذه النَّخيلِ إلا عشرةَ أَوْسق، وينبغي أن تكون تلك أيضًا جائزةً ولا أَرَى مَطْلُوبٌ للشَّارِع؛ ولهذا المعنى شُرِع الخَرْص في العَرَايا، أي ليحصُل نوعٌ من التعيينِ، ويخرج الأَمْرُ عن الجهالةِ المُطْلقةِ إلى التعيين في الجُملةِ، ومن هذا الباب الأَمْرُ بِرَفْع الجهالات في البيوع، فالنَّهي عنه ليس بأكيد، وقد أغمض عنه أيضًا في بَعْض المواضع‏.‏

ثم القَبْضُ في البيع يَتِم بالتخلية؛ أما في الهبة، فلا يَتِم إلا بالجِذاذُ، فعند مالك في «موضئه» في باب ما لا يجوزُ من النَّخْل من كتاب الاقضية وقد أَخرجه الطحاويّ أيضًا‏.‏ مالك عن ابن شِهاب عَن عروة بن الزُّبير، عن عائشة زَوْج النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنها قالت‏:‏ إنَّ أبا بكرٍ الصديقَ، كان نَحَلها جُذاذَ عشرينَ وَسْقًا من ماله بغايةٍ، فما حضرته الوفاةُ، قال‏:‏ واللهاِ يا بنيةُ ما مِن الناسِ من أَحَدٍ أَحبُّ إليَّ عندي مِنْك، وإني كُنْتُ نَخَلْتُكِ، فلو كنتُ جَذَذْتُه وأَحرَزْتُه كان ذلك، وإنما هو اليوم مال وارِث، وإنَّما هو أخواكِ، وأُختاك‏.‏ اهح‏.‏ فدلَّ أنَّ الهِبةَ لا تتَمِ إلا بالجُذاذِ، أما امْرُ النبي صلى الله عليه وسلّم بإِكفاء القُدُور حين طَبَخُوا اللَّحْم قبل القِسْمة، فقد مرَّ وَجْهُه، فلا يخالِفُ ما ذكرنا ههنا، وكذلك الفَرْق بينه وبين النهد، فإِنَّ الحقَّ في الغنيمةِ يكونُ الثالث، وهو غائبٌ، بخلاف النهد، فإِنَّ الخَلْط والشُّيوعَ جاء من قبل الشريكين بِطَوْعهما ورَغْبتهما، وبأَعْيُنِهما، وقد علما أن الفاضُلَ في الأَكْل لا بدَّ منه، فَتُحْمَل فيه لذلك، فافترقا‏.‏

ثم إنَّ المصنِّف ترجم في «الذبائح» أنَّ مَنْ ذبح الشيءَ المُشْتَرَكَ لا يجوزُ أَكْلُه‏.‏ وكذا عند أبي داود أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم دُعي إلى طعامٍ، فأخذ لُقْمةً منه، وقال‏:‏ إني أرى لحمًا ذُبح بغيرِ إذْن أَهْله، وأَمَر أن يُتَصَدَّق به عن الأُسَارَى؛ وهو عند الدارقطني أيضًا من آخِره، ومن هذا الحديث استنبط الإِمام الأعظم أنَّ سبيلَ المالِ الحرامِ هو التصدُّقُ، وفي القرآن ‏{‏فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 283‏)‏ فذكَر القَبْض، أما إنه في أَيَّ مَرْتبةِ، فلينظره الفقهاء، وثبت من هذه الجزئياتِ ما رامه الحنفيةُ من ضرورةِ القبْض، وأن الشُّيوعَ يَضُرُّه‏.‏

ثم المشهورُ عند الفقهاء أنَّ الشهاةَ إنْ ذُبحت بغيرِ إذْن أَصْلها صارت ميتةً، وعندي هي مُذكْاةٌ، لأنَّ الحُرْمة لمعنىَّ في غيرها، ونحوه ما في «الدار المختار»‏:‏ مَنْ وَجَد شاةً مذبوحةً في الصَّحْراء، ولم يَدْر مَن ذبحها، ومالِكَها، ولا يَحِل له أَكْلُها، ونقله عن ثِقةٍ لم يذكر اسمه، وعندي أنها ذكيةٌ لا بأسَ يأكْلِها‏.‏

ثم اعلم أَنَّ في الفِقْه بابًا يُسمى بالتبرُّع، ولا يوجدُ مُتميِّزًا عن باب الهبة، إلا أنه يُذْكر في ضِمْن المسائل، فليُنَقَّح الفَرْقُ بين البابين، لاختلاف أحكامِهما، ففي «القنية»‏:‏ المُتبرِّع لا يَرْجِعُ فيما تَبَرَّع به، فبابُ الرُّجوع لا يمشي في التبرُّعات، بخلاف الهِبة‏.‏

2602- قوله‏:‏ ‏(‏إن أَذِنت أعطيتُ هؤلاء‏)‏ واستنبط مِنْه المُصَنِّف أنه كان هِبةَ المُشَاع؛ قلت‏:‏ بل هو مِنْ باب الإِباحة دون الهِبة، وبينهما فرقٌ، أوضحه شارح «الوِقاية» في كتاب العارِيَّة والتيمم‏.‏

2602- قوله‏:‏ ‏(‏ما كُنْتُ لأُوثِر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ؛ حُكي أنَّ الرشيدَ أَهْدَي إلى أبي يوسف، وكان في مجلِس، فقيل له‏:‏ إنَّ الهدايا مُشْتركة؛ فقال له أبو يوسف‏:‏ هذا فيما هُيِّأَ للأكل، وأما في غيره فلا، قلت‏:‏ وفي المهيأ للأكل أيضًا تفصيل، فإِنه يُنظر في قَدْره، وعُرْف الناس فيه، ثُم ذكر الغزاليُّ قصة وليَ أهدى إليه في مِثْله، فقيل له، كما قِيل لأبي يوسف، فأعطاه كلَّها، وقال‏:‏ لا نحبُ الاشتراكَ؛ واستحسنه الغزاليُّ؛ قلت‏:‏ بل ما فعله أبو يوسف هو الأحسن، فإِنه قد علمنا به مسألةً من مسائل الدين، وأما الأولياء فيختارون جانِبًا يرونه أوْلى لأنْفُسهم، ويهدِرُون جوانبًا، أما الفقهاءُ فيُراعون جميعَ الجوانب، فلا يُفْرِطون ولا يُفرِّطون، ونظرُهم على خُلْق الله أَقْدَمُ من نَظَرِهم إلى أنفسهم، فَطُوبى لهم، وحُسْن مآب‏.‏

باب‏:‏ الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ وَغَيرِ المقْبُوضَةِ، وَالمَقْسُومَةِ وَغَيرِ المَقْسُومَة

وَسَّع بالقَبْض أيضًا، كما كان وَسَّع بالشُّيوع وعدَمِه، وتمسَّك له بِقصَّة سَبْي هوازن، وسنبين إن شاء اللهاُ تعالى أنه كان إعْتاقًا لاهبةً، كما فَهِمه المصنَّفُ، فينهدِمُ أساسُ التفريعاتِ كلِّها من جوازِ هبة المُشاع، وعدمِ اشتراط القَبْض‏.‏

2603- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَضَاني وزَادني‏)‏ولما كانت تلك الزيادةُ غيرَ مُنْفَصلةٍ صاَرَتُ من هبة المُشْاع، وقد مرَّ معنا التنبيه في كتاب البخاري على أن تلك الزيادة كانت مُنْفَصِلةً مُتميِّزةً، وكان جابرُ يَضَعُها في جِرابه، ويقول‏:‏ واللهاِ لا أفارِقُ زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى فَقَدها في أَيَّام الحرَّة، كما يأتي في البخاري، ثم في «باب الهِبة من الدر المختار» أنَّ الموهوب لو كان يَضُرُّه القَبْضُ تَفْسُد الهِبة، وإلا لا؛ وفي «باب المرابحة» ما يخالفه شيئًا، فراجعه عند الشامي، ولا بد، نعم يجري البَحْثُ في أن تلك الزيادةُ هل تدخل في قوله‏:‏ «كلُّ قَرْضٍ جَرَّ بِنَفْع فهو رِبا»- بالمعنى- أم لا‏؟‏ وقد ضَيَّق فيه الحنفيةُ عامةً، لما فهموا أنَّ هدايا المديونِ إلى الدائن لا تكون إلا منفعةً لِدَيْنه، فتدخل فيه لا محالة؛ نعم وَسَّع فيه محمدٌ كُلَّ التوسيع، حيث قال في «باب الرجل يكونُ عليه الدَّين» الخ، قال محمد‏:‏ لا بأسَ بذلك إذا كان من غير شرْطٍ اشترِط عليه، اه‏.‏

ولكنه يُحْملُ عندي على زمانه، إذ الناسُ ناسٌ، والزَّمانُ زمانُ، فالهدايا في زمانه لم تكن رشوةً، وأما في زماننا فُكلُّها رَشوةٌ، إلا ما شاء الله تعالى، فَيُحْكم في هذا الزمان بالمَنْع، كما قاله العلماءُ، وإنَّ كان المَذْهب، كما قال به محمدٌ‏.‏

ثُم اعلم أَنَّ هِبة المُشاع لا تَتِم في أصل المذهب، وإن تحقق القبضُ أيضًا؛ وأفتى المتأخرون بجوازها، وبه أفتى، وذلك لأني أتردد في نفس مسألة الشُّيوع، فَلَسْتُ أَشَدِّد فيها، كالحنفية، ولا أُوسع فيها، كالبخاري، بل هي أَمْرٌ بين الأمرين، كما عَلِمت، فإِنَّ مرضى الشَّرْع، هو رَفْع الإِبهام والتمييز، والشيوع يخل به، فلا يكون هَدْرًا، كما أهدره البخاري، ولا ضروريًا، كما فهمه الحنفية، بحيث قالوا ببطُلان الهِبة؛ وبالجملة إذا كان حالُ الشيوع عندي ما سمعت، فلم أُشَدِّد في الحُكْم، وَوَافَقْت المتأخرين في جواز هِبة المُشاع عند القَبْض‏.‏

3606- قوله‏:‏ ‏(‏لا نَجِدُ سِنَّا إلا ‏(‏يسنَّا‏)‏ هي أَفْضَلُ مِن سنِّه‏)‏ ولا شكَّ أنّ هبة الزيادة تكونُ هِبة المُشاع، قلت‏:‏ نعم، ولكن لا ريبَ أنه مِن باب المُروءات لا غير، حُجَّة فيه‏.‏

فبوّب بجوازِ الشُّيوع بِكِلا نَحْويه، وتَمسك له بَسْبي هوازن، وغَرَضُه أن يُسوَّع فيه الأمران، فان شِئت قلت‏:‏ إنَّ الواهِبَ ههنا واحدٌ، والموهوبَ له متعدِّد، وإنْ شِئت قلت بالعكس، فتحقَّق فيه الشُّيوع بالنَّحوين، وقد وعدناك غيرَ مرةِ أنه كان إعتاقًا منهم، لا هبة، فتسقط تفريعاتُ المصنِّف بِأسرها‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْم

واستدل على ذلك بَرِدِّ السَّبْي على وَفْد هَوازِن، وقال قَبْله‏:‏ وقد وَهَب النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابُه لهوازِن ما غَنِموا منهم، وهو غيرُ مَقْسومٍ لهوازِن، اه‏.‏ أي وإنْ كان قُسِم بني الغانمين، وفي استدلالة نَظَر، فإِنَّهم كانوا رسلا عن هوازن، يَسألُ كلٌ عن سَبْيه‏:‏ فليس هناك شُيوعٌ، ثُم ما الوجه في أنه صلى الله عليه وسلّم اعتذر إلى الوَفْد بوُقوع المقاسم‏:‏ فقال، على ما في «الفتح» عن مغازي موسى بن عُقبة‏:‏ ما طلب لكم، وقد وقعت المقاسِم، فأَيَّ الأَمْرين أَحبُّ إليكم؛ السَّبي أم المال‏؟‏ اه- وقال- في وزعم- يلي؛ والذي نفسي بيده إنَّ الشملة التي أصابها يوم خبيرُ من المغانم لم تُصِبها المقاسِمُ، لتشغِلُ عليه نارًا، اه‏.‏ أخرجه هو ابتغاءَ العَدْل في القسمة، أو لئلا يقعَ تَصَرُّفْ فيما ليس خالصًا له، وأن الشِّرْك في المُشاع لا يكفي للانتفاع الذي جنح إليه البخاريُّ هو الثاني، ويترجم عليه في «أواخر الذبائح» لا «الأضاحي» فقال‏:‏ «باب إذا أصاب قومٌ غنيمةً فذب بعضُهم غَنَمًا، أو إبلا بغير أَمْر أصحابِه لم تؤكل، الحديث رافع»، اه‏.‏ وعارضة في «الفتح» بديث الشاةِ التي ذَبَحَتْها المرأةُ بغيرِ إذْنِ صاحبها‏.‏ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «اطْعِمُوها الأُسَارى» والظاهر أنَّه لِمعنى النهبة، كما عند أبي داود في حديثٍ آخَر، فراجع «الفتح» وإذا كان كذلك دَلَّ على أن المُشاع لا يخلص، وإليه ذهب أبو حنيفة، ثُم راجع هل كانت القسمةُ في غنيمة هوازن، وقعت تَفصِيلا أم لا‏؟‏ ويملائمه السؤال عن الغُرماء، وإلا لتبيَّن طيب كلًّ بإِرساله السَّبي، والله أعلم‏.‏

‏(‏كخبير‏)‏ فيما يَظْهر، ويحتمل أن يكونَ القَسْمُ الثابِتخ في الرواياتِ قَسْم أموالٍ، وأم في السَّبي فقليلٌ، على شاكلة التنفيل، وراجع ما عند البخاري من باب ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يُعطي المؤلفةَ قلوبُهم وغيرهم من الخمس، ونحوه أن جاريتي كانتا من الخمس، فراجع «الفتح» «كنز»‏.‏

ثُم طرد الحنفيةُ حُكْم المُشاع فيما إذا دفع الشيء إلى رجل واحد بجهتين، كأداء دَيْنٍ في بعض، والهِبة في بعض؛ وكان الزَّعيم أن يكون كهِبة نَخْلٍ كهِبة نَخْلٍ في أرضٍ لَمْن الأَرْضُ له «راجع» الأم و«فتاوى» ابن تيمية‏:‏ «باب مَن رأى الهِبة الغائبة جائزة» يريدُ به- والله أعلم- أنَّ الهبةَ في قصة هَوازِن وقعت غائبةً عن الموهوبِ لهم، وهم كُلُّ مَنْ أرسل الوفد، وإنْ وقع الخطاب مع الوفد؛ ولا يريدُ في هذه الترجمة مسألةَ المُشاع، كما قرره الشارحون‏:‏

مضاربةٌ، مزارعةٌ، وأَجْر *** يَطِيب الأكلُ فيها، مع فساد

وفي التأجيل من بيعٍ من بيعٍ إذا ما *** أزال الشَّرْط، يرجع للسراد

وأما البيع، و‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ فما لم *** يَصِحَّا لا يَطيب، فبالرشاد

وفي المَكْرُوه أوجب فَسْح بَيْع *** على حُكْم الدِّيانةِ في العباد

وراجع «الدر المختار» في المهر للتصرفات الفاسدة؛ وراجع ما عند أبي داود و«المراسيل»‏.‏ وأخذ شتى من «الدر» رواية في معنى قَفِيز الطحان، فيما أرى- والله أعلم- في «الكنز»، وفي- ضمان الأَجِير المشترك‏.‏

وما ذكره البخاريُّ من جواز الهِبة الغَيْرِ المقسومةِ، لم يأتِ فيه بدليلٍ، فوجه حديث هوازن- قد مرَّ- وأنه غيرُ مُشاع، نَعم يُشْكِل تخريجُهُ على الأصول، فإِنَّ ظاهِرَه تَرْكُ السَّبي بعد ثبوت المِلْك، والمَنّ عليهم لا إعتاقهم، كما عند البخاري من الخُمْس من رسول الله صلى الله عليه وسلّم على السَّبي، ثُم وجدت عنده‏:‏ في عِتْق سَبْي هوارن، فراجع «الفتح»، اللهم إلا أن يكون التقسيمُ على العِرافةِ، والرايات لا تفصيلا، وأما حديثُ جابر، فكانت الزيادةُ مُنفصلةً لا تفارق قرابه‏.‏ وراجع ما ذكره الحافظ عن المُحِبُّ الطبري مِنْ وَزْن الدَّراهم لا عدِّها؛ وما أخرجه البخاري في «باب إذا وَكَّل رجِلٌ لاجُلا أن يَعْطي شيئًا، ولم يُبَيِّن كم يُعطي، فأعطى على ما يتعارَفُه الناس»‏.‏ وجعل في «الجوهر النقي» هذا زيادة في الثمن لاهِبة‏:‏ أخرجه هو، الخ‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلّم لرعية الجهني‏:‏ أما ما أدْرَكْت من مالِك يِعَيْنه قَبْل أن يُقْسم، فأَنْت أَحْقُّ به،- حم عب- «كنز»؛ وعن جماعةٍ من السَّلف فيما غَنِم المسلمون ما كان الكفارُ غَنِموه منهم، وقُسِم بين المسلمين يأخذُه المالِكُ الأَصْلُّى بالثمن، راجع التخريج، وفي «الموطأ» في غير فرس لابن عَمْرو، أو خالد عليه، وذلك قبل أن يصيبهما المقاسم، اه‏.‏ وراجع «الفتح»‏.‏

ثمُ إنَّ الذي يَظْهر أن أَحْكَامَ الحنفيةِ في المُشاع إنما هي «المنازعة- كما في ضابطة لفظه‏:‏ كل من «رد المحتار»- أوائل البيع ، ومسألة تسبيب الدابة من الحج، وإلقاء شيء من اللُّقطة- لا عند السماحةِ، وهو التوفيق في إفادة قبض المِلْك في المُشاع، على خلاف فيه، وإنم يَظْهَرُ عند الخصومة؛ وراجع ما ذكروا في الفَرْق بين التمليك والإِباحة، وحرر في «رد المحتار» وفي آخِر الشَّركة‏:‏ أن المُنْفِق على دارٍ يمكَنُ قسْمَتُها مُتبرِّعٌ؛ وكذا في «الدر المختار» من شتى الوصايا، ومِثْلُه ما ذكره في البيع، بِشَرْطٍ جَرى العُرْف به، ولعلَّه الوَجْه فيما ذكره في «رد المحتار» في الشَّرْط الفاسد، إذا ذُكِر بعد العقد، وراجع «السَّعاية» في التيمم للإِباحة، والتمليك، لكن هناك أن الهِبة للجميع لا تتضمَّن إباحةً الماء كلَّه لواحدٍ، ولا يضرنا‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ، فَهُوَ أَحَق

وقد مرَّت فيه قصةُ أبي يوسف‏:‏ وحاصله أن الهدية مِلْك للمُهْدى له، ولكنه يشرك جُلساه مروءةً، كما في الحديث الآتي، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال لعبد الله‏:‏ هو لك يا عبدَ الله، فكان هدية له» ولم يشرك فيها عبدُ الله بِن عمَر أحدًا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهُوَ رَاكِبُهُ فَهُوَ جائِز

عاد المصنِّفُ ثانيًا إلى أن قَبْضَ الأمانة، هل يُغْني عن قَبْض الهِبة أم لا‏؟‏ فراجع تفصيله في الفقه‏.‏

باب‏:‏ هَدِيَّةِ ما يُكْرَهُ لُبْسُهَا

واعلم أن التمليكَ والتَّملُّك يَعْتمد على كَوْن الشيء مُتقومًا، لا على جواز الاستعمال وعدمه، وإنما يراعيه مَنْ يقبله‏.‏

2613- قوله‏:‏ ‏(‏تُرْسِل به إلى فُلانٍ، أَهُل بيتٍ بهم حاجةٌ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أي لِيفعلُوا فيه ماشاءوا، فيخرجوا له طريق استعماله، حَسَب ما يليقُ بهم من البيع أو غيره‏.‏

باب‏:‏ قَبُولِ الهَدِيَّةِ مِنَ المُشْرِكِين

2617- قوله‏:‏ ‏(‏لَهِواتِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وهو من باب قوله‏:‏

وكنت أرى زيدًا- كما قال سيدًا *** إذا أنه عبد القفا والهازم

وقد ذكر الشاه عبد القادر في سرِّ الشهادتين أنَّ الشهادةُ الظاهرة لما لمُ تَقدَّر له، المصالحَ يعَلَمُها اللهخ، قُدِّرت له الشهادةُ المعويةُ‏.‏

باب‏:‏ الهَدِيَّةِ لِلمُشْرِكِين

باب‏:‏ لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ وَصَدَقَتِه

وهي جائزةٌ، كما في «السَّير الكبير»، إلا ما عدَّ للحَرْب في أوانِ الحَرْب‏.‏

باب‏:‏ ما قِيلَ في العُمْرَى وَالرُّقْبَى

واعلم أنهم اختلفوا في قوله‏:‏ دَارِي لك عُمري، هل يُفيدُ تمليك المنفعة‏.‏ أم تمليكَ العَيْن‏؟‏ والمشهورُ عندنا أن الغُمْري هِبةٌ، أما الرُّقْي، فينتظِرُ أحدُهما موتَ الآخر، ولا تكون هبة بالفعل، وهذا الذي يُستفاد من الأحاديث أن العُمْري قويةٌ، والرُّقي ضعيفةٌ، والسِّرُّ في انتشارِ الروايات من هذا الباب، أنَّ النَّاوي إنْ نوى به الارتقابَ فهو عارِيَّة‏.‏ ثم هي أيضًا على خَطَر؛ وإنْ نوى به الرَّقبةَ بمعنى المِلْك، فهو هبةٌ، وراج اختلافَ الروياتِ فيه في «كتاب النسائي» وتفاصيل الفقهاء في «شرح الوِقاية»‏.‏ والجوابُ عن أحاديثُ الخُصُوم عندي أنه كان ذلك في العَرْفَ في عهد النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ولعله تَغَيَّر في عهد أبي حنيفة، والشيء إذا كان مبنيًا على العُرْف يتبدَّل حُكْمه بتبدُّلِ العُرْف لا محالة‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَس

لما فَرَغَ المصنِّفُ من باب الهِبة وملحقاتِه، دخل في باب العارِيَّة لكونها تمليكًا للمنافع‏.‏ كما أن الهِبةَ تمليكُ للعين؛ وإنما أدخله في تضاعيف أبواب الهبة، لأنه أرادَ من الهبةِ اللغوية، سواء كانت للمنافع أو الأعيان‏.‏

باب‏:‏ الاسْتِعَارَةِ لِلعَرُوسِ عِنْدَ البِنَاء

وهذا مِن مراسمِ النَّاس، أَنَّ المُفْلِسين منهم يستعيرُونَ الأشياء للعَرُوس، إذ لا يَقْدرون على أن يَشْتَرَوْها من أموالهم‏.‏

2628- قوله‏:‏ ‏(‏تُقَيَّنُ‏)‏دولهن ينائي جاتى تهى‏)‏‏.‏

2628- قوله‏:‏ ‏(‏تُزْهى‏)‏اتراتى هى‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ المَنِيحَة

وقد مرَّ أن للهبة أسماء عند أصحاب اللغة، فهبة الحيوان الحلوب ليشرب من لبنه، تسمى منحة، كما أن هبة الأشجار تسمى عرية‏.‏

2929- قوله‏:‏ ‏(‏نِعَم المَنِيحةً اللِّقْحة الصَّفِيُّ مِنْحَةً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ «فنِعْم» من أفعال المَدْح، «والمنيحة» فاعِلُه، و«اللِّقْحة» مخصوصٌ بالمدح، ومنحةً تمييزُ له، واللام على المِنْحة للجنس دون الاستغراق، كما اختاره الأُشْمُوني، ثُم إنَّ النّحاةَ تحيِّروا في مفاد قوله‏:‏ نِعْم الرجلُ زيدٌ، فإِنَّه لا يظهَرُ للتخصيص بَعْ6 التعميم ههنام معنىً، ويُتوهَّم أنه إطْنابُ، قلت‏:‏ ومحَصَّلة عندي أن زيدًا رجلٌ حَسَنُ من جِنْس الرجال، فاللام فيه للجِنْس، ومَنْ جعلها للاستغراق فقد غَلِط‏.‏

2631- قوله‏:‏ ‏(‏فما اسَتَطَعْنا أَنْ نَبْلُعَ خَمْسَ عشرة خَصْلَةً‏)‏ أي كانت تلك الخصالُ أَربعينَ، فَجَعلْنا، نُعدِّدها فلم نستطيع أن تعدِّدها إلا بهذا القَدْر، وقد ذكرها أربابُ الشُّروح بتمامِها‏.‏

2632- قوله‏:‏ ‏(‏فُضُوُلُ أَرَضِين‏)‏ بجى هوئى زمينين‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ أَخْدَمْتُكَ هذهِ الجَارِيَةَ، عَلَى ما يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهُوَ جَائِز

والظاهر أَنَّ المصنِّف لم يَحْكُم في لفظ الإِخدام بشيء، وتركه على العُرْف، فإِنَّ كان عُرْفُهم أنه الهِبةُ، فهو هبةٌ، وإن كان أنه العارِيَّةُ فعلى ما تعارفوه‏.‏

قوله ‏(‏وقال بعضُ الناس‏:‏ هذه عاريَّةٌ، وإنْ قال‏:‏ كَسَوْتُك هذا الثَّوْبَ، فهو هِبَةٌ‏)‏ والمُرادُ به ههنا أبو حنيفة؛ وقد مرَّ أن المصنِّف لا يريدُ به الرَّد دائمًا، والأقربُ أنه اختارَ تفصيلَ الإِمام الأعظم، لأنه أيضًا فَوِّضَه إلى العُرْف، ولما كان في لفظ الخِدمة‏.‏ أنه للعاريَّة بخلاف الكُسوة، ظهر وَجْهُ الفَرْق بينهما، ولعلَّ أهلَ العُرْف حملوا الكِسوة على الهبة‏.‏ لأن الثَّوْب يَبْلَى ويخلق، فلا يكونُ المرادُ من كِسوته إلا الإِعطاءَ، والهِبةَ، وإنما قلنا‏:‏ إنّه وافقنا في المسألة‏.‏ لأنه لو أرَادَ الخِلافَ لأَخُرَجَ حديثًا يؤيد مَرَامَه، كما هو دَأبُه، وإنُ سلمناه، فَردُّ ضعيفٌ جدًا‏.‏ لِوُضُوح الفَرْق بين اللَّفين، كما عرفت آنِفًا‏.‏

2635- قوله‏:‏ ‏(‏أَخْدَمَ وَلِيدَةً ولعلّ لَفظ الخِدمة في أَصْل الوَضْع للعارِيَّة، واستُعُمِل في الحديث للهِبة توسُّعًا، وقد ذكرَه الفقهاءُ أيضًا من الفاظ العاريَّة والهِبة معًا، وذلك لأَجل اختلافِ العُرْف فيه؛ على أَنَّ كَوْنَ تلك الوليدةِ هبةً لم يُفْهم مِن لَفْظ الإِخدام، بل مِن قوله‏:‏ «فأَعْطَوها أَجْرًا، كما ذكره ابنُ بَطَّال، وراجع الحاشية‏.‏

باب‏:‏ إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فَهُوَ كالعُمْرَى وَالصَّدَقَة

ولا يعتيَّنُ أنه أراد به خلافَ الإِمام الأعظم، بل يمكنُ أن يكونُ على طريقِ نَقْل إحدى الجائزات، ولذا لم يشددِ في الكلام، وكأنه رآه مُحتمِلا أيضًا، والله تعلى أعلم بالصواب‏.‏

كتاب‏:‏ الشَّهَادَات

قال الفقهاء‏:‏ إنَّ إثباتَ الحقِّ على الغير يُسمَّى دَعْوى، وإثباتَ حقِّ الغيرِ على نَفْسه يُسمَّى إقرارًا، وإثباتَ حقِّ الغير على الغير يُسمَّى شهادةً‏.‏

باب‏:‏ ما جَاءَ في البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي

قد مرَّ أن المصَنِّف وافق فيه أبا حنيفة، فلم يجعل اليمينَ على المُدَّعِي في صورةٍ، ولكن عليه البينةُ فقط، وأَصْرَح منه ما قاله في المجلد الثاني، كما سيجيء في مَوْضعه، وهو ظاهِرُ القرآنُ، فإِنَّ الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 282‏)‏ ولم يذكر للشهادةِ صورةً غيرَهما، وقولُه‏:‏ «قضى بشاهد، ويمين»، حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها؛ وهو عندي من باب المقاضاةِ، لا مِن باب القضاء، وفَصْل الخُصومات، ونظيرُه عند أبي داود، وسنقرره فيما يأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

باب‏:‏ إِذَا عَدَّلَ رَجلٌ أَحَدًا فَقَالَ‏:‏ لا نَعْلَمُ إِلا خَيرًا، أَوْ قالَ‏:‏ ما عَلِمْتُ إِلا خَيرًا

أي هل يكفي التعديلُ بهذا القَدْرِ‏؟‏ فقال‏:‏ يُعتبر به، ثم التزكيةُ في الفِقه على نَحوْين‏:‏ التَّزْكيةُ سِرًا، وهذه تكون خفيةً، والتَّزْكيةُ جَهْرًا، وهذه تكونُ في مَجُلِس القضاء‏.‏

باب‏:‏ شَهَادَةِ المُخْتَبِي

يعني إذا أختبأ الرجلُ، وَنَظر إلى المشهودِ عليه، وهو لا يَشْعُر به، فهل يُعْتدُّ بشهادته‏؟‏

قوله‏:‏ ‏(‏السَّمْعُ شَهادةٌ‏)‏ يعني إنْ سَمِع كلامَ أحدٍ يجوزُ له أن يَشْهد به، ولا يجب له الإِشهاد أيضًا، كما في الشَّهادةِ، أما الشهادة بالتسامع فهي شيءٌ آخرٌ، ومعناها أنه لم يَسْمع كلامًا، ولم يرَ شيئًا، ولكنه سَمِع النَّاس يقولون شيئًا أفواهًا، فَشَهِد به، ولم يعتِبره الحنفيةُ إلا في ستةِ مواضَع، ذُكِرت في «الكنز»؛ وأضاف عليها أصحابُ الشُّروح أَمورًا إلى تسعةٍ، والشهادةُ بالسَّمع غيرُ الشهادةِ بالتسامع، والأولى جائزةٌ مُطْلقًا‏.‏

فإِن قلت‏:‏ إنَّ الصوتَ يُشْبِه الصوت‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، ولكنهم اعتبروا القرائنَ، فإِذا تبيَّن بالقرائِن أنه صوتُ فلان، جاز له أَن يَشْهد به، وقد مر معنا أن قولهم‏:‏ الخَطُّ يُشْبِه الخَطَّ، إنما يجري في باب الدَعاوَى، إما في غيرها فقد اعتبروا بالخطِّ إذا حصل اليقينُ بكونِه خَطَّ فلان‏.‏

‏(‏وكان الحسن يقول‏)‏‏:‏‏.‏‏.‏الخ، وهذه شهادةٌ بالتسامع، وهي غيرُ معتبرةٍ عندنا‏.‏

2639- قوله‏:‏ ‏(‏فقال‏:‏ يا أبا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلى هذه ما تَجْهِرُ به عند النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ‏)‏ ، فاعتمد على الصوتِ، لأن الصحابيَّ كان على الباب، قلت‏:‏ إنَّ البُخاري تمسَّك بقصةِ ابن صَيَّاد، وهذه القِصةُ مع كونِها من الأمور البَيْنيَّةِ، وكثيرًا ما يحتجُّ بها المصنِّف على مسائلِ القضاء والحُكْم، ولا يَفَرَّق بينهما‏.‏

باب‏:‏ إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَيءٍ، فَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ ما عَلِمْنَا ذلِكَ،يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِد

وهي مسألةٌ عندنا إنْ بلغت الشهادةُ نِصَابها‏.‏

قوله‏:‏ إنْ شَهِد شاهِدَان‏:‏ أن لِفُلانٍ على فلانٍ دِرْهم، وشَهِد آخَرانِ بألفٍ وخَمْس مئة، يُقْضى بالزِّيادة‏)‏،وإذا اختلفت الشهادتانِ، بأْنْ شَهِد اثنانِ على كذا، وانثانِ آخَرَان على كذا، يُقْضَى بالقَدْر المُشْتَرَك، وما ذكره صاحِب «الهداية» من التفصيل، فهو عند اختلافِ الشاهدين فيما بينهما، فَتُرَدُّ في بعض الصُّوَر؛ وراجع تفصيله منه‏.‏

باب‏:‏ الشُّهَدَاءِ العُدُول

والعبرةُ في العدالة أَنْ يكون ذا خِصال شريفةٍ، ومروءةٍ فَحَسْب، فإِنه لو شُدِّد فيها لأنسَدَّ على النَّاس طريقُ فَصْلِ خصوماتهم، فإِنه يَعِزُّ وجودُ الجامعِ بين أَوصاف العدالة‏.‏

2641- قوله‏:‏ ‏(‏وإنَّ الوَحْي قد انقطع، وإنَّما نأخُذُكم الآنَ بما ظَهر لنا مِن أعمالِكُم‏)‏ دلَّ على أن القَطْع هو الوَحْي فقط‏.‏ وما قال بعضُ العلماءِ‏:‏ إنَّ الكَثْفَ أيضًا قَطْعِيُّ، فليس بصحيح‏.‏ وأما ما يُظَنَّ من التخليط في بعض أخبار الوحي‏.‏ فباطلٌ، لأنه لا تخليط فيه أصلا‏.‏ وهي صِدْقٌ كُلّها، وإنما يَحْدُثُ التخليطُ في النَّقل، والطريق، فيحدُث ما يحدث من جهته، ولم يُوَفِّق لهذا الفَرْقِ مسيلمة الفنجاب فَحَمَلها على صاحب الوَحْي- ما أَكْفَرَه- فَجوَّز الغَلَط في وحي الأنبياء عليهم السلام أيضًا، وجعل يتمسَّك بالاغلاطِ التي وقَعت من تلقاء الرُّواةِ‏.‏

هم نقلوا عني الذي لم اَخُهْ بهٍ *** وما آفةُ الأخبار إلا رُواتُها

ولم ينظر أنَّ النَّاسَ مع عِلْمهم وشَرَفِهم قد يَغْلَطُون اليوم أيضًا في نَقْل الأشياء كثيرًا؛ فما الاستبعادُ إنْ وقعت الأغلاطُ في نقل الرواياتِ عن النَّقلةِ الأَثْبات، ثم الجاهلُ قد يتضرَّرُ به من طَرَفٍ آخر، فَيَزْعمُ أن الأغلاط إذا وقَعت عن الرُّواةِ ارتفع الآمانُ عن الدِّين، ولم يَدْر أنَّ الله تعالى خلق له رجالا يُميِّزون المُخيضَ عن الرغوة، فيجمعون الطُّرُقَ، وينظرونَ في الأسانيد، ويبحثون عن العِلل‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآء ؛ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الاْرْضِ‏}‏ ‏(‏الرعد‏:‏ 17‏)‏ ونعوذ بالله من الزَّايْغ والإِلحادِ، وسوء الفَهْم، وفَرْط الوَهم‏.‏

باب‏:‏ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوز

يعني أَنَّه يُشْتَرطُ العددُ في المُزَكَّى، أم لا‏؟‏ فقال الحنفيةُ‏:‏ يُشترط العدد في المُزَّكى أم لا‏؟‏ فقال الحنفيةُ‏:‏ يُشترط له أَحَدُ شَطْري الشهادة‏:‏ إما العددُ، أو العدالة‏.‏

2642- قوله‏:‏ ‏(‏المؤمنونَ شُهَداءُ اللهاِ في الأَرْض‏)‏ وقد مرَّ الكلامُ فيه في كتاب «الجنائز»؛ وذكر الشيخُ الأكبرُ أنَّ الرزق إنما نيط بالأسباب، ليُعلم حالُ الشقاوة والسعادة بالمقايسة؛ فإِنها أيضًا من تلقاءِ الأسباب؛ وعادةُ الله قد جرَت في هذا العالم بتعليقِ الأسباب بالمُسَيِّبات، فكلُّ مُسيَّبٍ مَنُوطٌ بِسَبَه، إلى أن ينتهي الأَمْرُ إلى ربِّ الأرباب‏:‏ ‏(‏وإنَّ إلى رَبَّك المُنْتَهى‏)‏ ‏(‏النجم‏:‏ 42‏)‏ فلا تأثيرَ في الحقيقةِ في هذا العالم إلا الله تعالى، فهو مُسَيِّبُ الأسباب، إلا أنَّ القدرةَ الأزلية مستورةٌ تحت حُجُب الأسباب، فيرى في الظاهر أن التأثيرَ لها، مع أنه لا تأثير إلا لله، وفي المثل السائر؛ قالت الجدارُ للوَقدِ‏:‏ لم تَشُقُّني‏؟‏ قالت‏:‏ سَلْ مَنْ يدُقُّني، فزِمامُ الأسباب كلَّها إلى اللهاِ سبحانه، لا إليه إلا الله‏.‏

باب‏:‏ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ، وَالمَوْتِ القَدِيم

وهي من الجزئيات التي اعتُبِرت فيها الشهادةُ بالتسامح عندنا، وكذلك الموت القديم، إما الرَّضاعُ المستفيضُ فليس منها‏.‏

2644- قوله‏:‏ ‏(‏فَلم أذّن لَهُ‏)‏ وكانت تقول‏:‏ إنما أرضعتني المرأةُ دون الرَّجل، فالحُرْمةُ أيضًا ينبغي أن تكونَ من قِبَلها، لا مِن قِبَلة‏:‏ ويقال لتلك المسألةِ‏:‏ لين الفَحْل، والجمهور على أن الرجل الذي من إحبالِه ذلك اللَّبن أَبٌ للرَّضيع، والمرأةَ أُمٌ له، وإذن تَسْري الحُرْمةُ إلى الرَّجلِ، والمرأةِ سواء، فإِنَّ اللَّبن من إحْبَالِه‏.‏

2645- قوله‏:‏ ‏(‏يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يحرُمُ من النَّسَب‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وقد وقع ههنا سَهْوٌ من الشيخ ابنِ الهُمام حيث قال‏:‏ إنَّ امرأةَ ابنه من الرَّضاع حرامٌ على الأب، وعلى قضيةِ يَلْزمُ أن لا يتكونَ حرامًا، لأن حُرْمة ابنه من جهة المصاهرة لا من جهة النَّسبِ، ودلَّ الحديثُ على أنَّ المحرمات مِن الرضاعة هي المحرماتُ من النَّسب فقط؛ وهذه ليست محرمة النَّسَبِ، فينبغي أن تكون حلالا‏.‏

قلت‏:‏ وقد سها فيه الشيخ؛ ومنشؤه أنهم ذكروا الصورةَ المذكورة في باب المصاهرة، فظنَّ أن الحرمةَ فيها من قِبَل الصَّهْر فقط، مع أن النَّسب أيضًا دخلٌ فيها، كماتدل في باب المصاهرة، فظنَّ أن الحرمةَ فيها من قِبلَ الصِّهْر فقط، مع أن النَّسب أيضًا دخيلٌ فيها، كما تدل عليه إضافة المرأة إلى الابن، فحرمةُ زوجةِ الأبِ على الابن، لكونِها امرأةً لأبيه أيضًا، ففي إضافةِ المرأةِ إلى الابن والأَب إشعارٌ بأن النَّسب أيضًا مراعيِّ في هاتين الحُرْمتين، فانحل الإِشكالُ بلا قيلٍ وقال‏.‏

2647- قوله‏:‏ ‏(‏فإِنَّما الرِّضاعةُ من المَجاعةِ‏)‏، واعلم أنهم اختلفوا في مُدة الرَّضاعة، فذهب الجمهور إلى أنها حَوْلانِ، مع تفصيل قليلٍ فيما بينهم؛ وعندنا هي ثلاثونَ شَهْرًا‏.‏ وأصلُ الكلام في القرآن، فإِنَّه تعرَّض إلى مدة الرَّضاعة نصًا، أما الحديثُ فلم يتعرَّض له إلى حَدَ، كما ترى في قوله‏:‏ «إنَّما الرَّضاعةُ من الجماعة»، ولعلَّك عَلِمت منه أن مدَة الرَّضاعة لو كانت هي الحَوْلين في نظر صاحب الشرع لَنوَّر بها الحديث، واستعملها، وذكر تفاصيلها، وبني عليها في كلامه، وإذا لم نرفيه عباءةً بها، عَلِمنا أن القرآن اعتبر فيها اعتبارًا، لا أنها تمامُ المدة التي لا وكس فيها، ولا شَطَط‏.‏ وسيأتي الكلام فيها في موضعه إنْ شاء الله تعالى‏.‏

2646- قوله‏:‏ ‏(‏لو كان فلانٌ حَثًّا، لعمِّها من الرَّضاعة- دخَل عليَّ‏)‏ قلت‏:‏ لا تناقُضَ بين حديثِ الباب، وبين مامرَّ آنِفًا، أنه استأذنها وهو حيٌّ، لتعدُّدِ الواقعتين‏.‏

باب‏:‏ شَهَادَةِ القَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي

وهي جائزةٌ عند الشافعية بعد التوبةِ، وحُسْن الحالِ؛ وردَّها الحنفيةُ مُطْلقًا، وعَدُّوه من تمام الحَدِّ، وأصلُ النزاع في القرآن؛ فَمَنْ ذهب إلى أن قوله‏:‏ ‏{‏إلا الدين تابوا من بعدِ ذلك وءَصْلَحوا‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 4‏)‏ ، استثناءُ من قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 3‏)‏ قَبِلها بعد التوبةِ، ومنْ جعله استثناءً مِن الفسْق لم يَقْبَلْها وإنْ باب، فالأبدُ عندنا على معناه بخلافة عند الشافعية، وقد بُحث في الأصول أَنَّ الاستثناء إذا وقع بعد عدةِ أمور، هل يرجع الأقرب، أم إلى الجميع‏؟‏ فليراجع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وَجَلَدَ عُمرُ أبا بَكْرةَ، وشِبْلَ بَنَ مَعْبد‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وقِصَّتُه أن المغيرةَ بن شُعْبة كان واليًا بالعراق، وأبا بكرة بالكوفةِ؛ وكان لمغيرةُ من دُهاةِ العرب، حتى قال الحسنُ البصري‏:‏ أَفْسد الناس اثنان‏:‏ المغيرةُ وعَمْرو بنُ العاص، وإنما كان عمرُ، وَلاة على العراق، لأن أمورَ الولاية لا تَنْتَظِم، إلا مِن القَطِن الذكي، المقذف في الأمور، فكان زُهادُّ الصحابةِ عن سخطه منه‏:‏ منهم أبو بكرة؛ فاتفق يومًا أن المغيرةَ خرج من بيته بِغَلَسَ، فدخل بين امرأة، فلم يستطع أبو بكرة أن يَصبرَ عليه، فذهب وجاء بثلاثةِ شهداء، فشاهدوه يُجامعها، فلما بلغ أمْرُه إلى عمر، دعا‏:‏ اللهم أَنْقذ المغيرةَ من الحدِّ، فَشَهِد منهم ثلاثةُّ بلفظٍ صريح، أما الرابع فقال‏:‏ انَّه رأى حركةَ رِجْليه لا غير، فدرأ عنه الحدَّ، وشكر الله تعالى، وجلد هؤلاء حَدَّ الفِرْية؛

قلت‏:‏ أما وَجْهُ دخولِ المغيرةَ في بيت امرأةٍ، فما علمت بعد تَفَحُّص بالغٍ أنه كان نَكحها نِكَاح السرِّ، فكان يذهبُ إليها ويجامِعُها، وإنما لم يعتذر به عند عُمَر، لأنه كان نهى عنه، وأعلنَ أنه لا يَسْمَع بعد ذلك أحدًا يفعله إلا تَحُلُّ به العقوبةُ، فخاف أن يبوءَ به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَه‏)‏، وهذا بِمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلا ريبَ في كونه قويًا، وهو مَذْهبُ أكثرِ الصحابة، ولعلَّ مَلَحَظ الإِمامِ الأعظم أنه لا معنى للتوبةِ عنه، إلا أن يُكذِّب نَفْسَه، وذا لا يمكنُ من رَجُلٍ صادقٍ، فإِنه كيف يُكَذِّب نَفْسه، وقد رآه بعينيه، أما الحدُّ على ظهره، فذلك لِقُصُورٍ في الشهادة، وهو أَمْرٌ أَخَر، ألا ترى أن أبا بكرة لم يرجع عن قوله حتى مات‏.‏

وحينئذٍ يُشْكِل قولُ عمرَ‏:‏ مَنْ تاب قَبِلْت شهادته، ماذا معناه‏؟‏ هل يريدُ بذلك أن يَحْمِلَهم على أن يُكذِّبوا أنفسهم، فإِنه لا معنى لِتوْبَتِم إلا ذلك، فيه ترغيبٌ لهم على الكذب، قلت‏:‏ ولعلَّه أراد به الإِغماضَ عما رآه بقولٍ مُبْهم، والتوبةُ مجملةٌ، دون الرُّجوع عما رآه بعينه بصريح اللفظ‏.‏ وبالجملة لما تعذرت منهم التوبةُ، لأنها تكذيبُ للنفس والعين، بقي حُكْم ردِّ الشهادةِ إلى الأبد والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الثَّوْري‏:‏ إذا جُلِدَ العَبْدُ، ثُم أُعْتِقَ جَازَت شهادَتُهِ‏)‏؛ قلت‏:‏ وهي مسألةٌ أُخرى ليست من باب قبول شهادةِ القاذفع، لأن العبد ليست له وِلايةٌ، فإِذا عَتق حَصَلت له الوِلايةُ على نفسه، وإذن لا بأس بعبرةِ شهادتِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعضُ الناس‏)‏ وحاصلُه أن الإِمام أبا حنيفة رَدَّ أَوّلا شهادةَ المحدود، ثُم ناقَضَه واعتبرها في النكاح‏:‏ قلت‏:‏ ليس الأَمرُ كما فَهِم المصنِّف، فإِنَّ الإِمام رَدَّها للثُّبوتِ، وقَبِلها للانعقاد، وبينهما فَرْقُ لا يخفي، ثمُ إنه ليس مِن عقدٍ يحتاجُ إلى الاستشهادِ غير النِّكاح للانعقاد أيضًا، وإنَّما يكفي حضورُ الشاهدَين المحدودَين للانعقاد، لأن الشهادة للانعقاد تعتمدُ الوِلايةَ، ولا قُصور فيهما لوجودِ الولاية فيهما؛ نعم لا تَقْبل شهادَتُهما عند القاضي للقُصور في الأداء، فالردُّ في باب، والقَبول في باب آخر، فأين التناقضُ، وماذا التهافُتُ‏؟‏

قوله‏:‏ ‏(‏لرؤيةِ هِلالِ رمضان‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ولا مناقَضَةَ فيه أيضًا، فإِنَّ الحنفية لا يُسمُّونه، شهادةً، بل هو إُخبارٌ مجرَّدُ عندهم، ولذا لا يُشترط فيه لَفُظُ الشهادة؛ نعم يُشْترطُ في هلال الفِطر، وذلك أيضًا لكونه مُتضمَّنًا لمعنى الحَلِف، فإِنَّ الفقهاء ذكروا لَفْظ‏:‏ أَشْهد، في ألفاظ اليمين أيضًا، وزعم البَعْضُ أنه لا بُدَّ فيه لفظ‏:‏ «أَشْهد بِعَينه؛ ولا تكفي تَرْجمتُه، وليس بصحيح، بل يكفيه لَفْظٌ يؤدي مُؤاده من أَيِّ لغةٍ كان، كما في «الدر المختار»- في باب الأذان فاعلمه، فإِنَّ المسألة إذا كانت في غير بابها أعوزت على الناس، فأحفظها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وَكَيْفَ تُعْرَفُ توبتُه‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ تُعرف بالنَّطر إلى حالاته، ولعلَّه إشارةٌ إلى ماذكرنا أنها لا تحصُل إلا بتكذيب نفسه، فكيف تُعْرف، فإِنَّ التكذيب لا يتحملُّه عامي، فكيف برج صادق

قوله‏:‏‏(‏وقد نَفَى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم الزاني سنةً‏)‏، فله الرجوعُ بعدها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن كلام كَعْب‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ثم قَبِل توبتَه بعد خمسين يومًا، فدلَّت تلك الآيةُ، والتي قبلها على قبول التوبة؛ واعلم أن التغريبَ بعامٍ ليس من أجزاءِ الحدِّ عندنا، وراجع له «فتح القدير» فإِنّه قرر مؤثرًا‏.‏

باب‏:‏ لا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِد

والجَوْر في لغةِ العَرب الانحراف عن الحقِّ، واستعملوه في الفارسية بمعنى الظُّلم، كالجَفَاء معناه البداوةُ كنوارين؛ ثُم استعملوه في معنى الظُّلْم‏.‏

2651- قوله‏:‏ ‏(‏خَيْرُكم قَرْني‏)‏‏.‏‏.‏الخ هل المرادُ منه الخَيْريةُ في القرونِ الثلاثةِ فقط، أو خَيْرية الأُولى، فالأخرى كذلك إلى الأبد فليُنْظر فيه‏.‏

2651- قوله‏:‏ ‏(‏يَشْهدُون ولا يُسْتَشْهدُون‏)‏ يعني بي قابو، وهذا اللفظُ ورد ههنا في مَعْرِض الذَّمِّ، وقد ورد في موضع المَدْح أيضًا، والوَجْه أن الشهادةَ بدون الاستشهاد، إذا كانت لإِحياِ حقِّ المسلم، فهي خيرُ لا محالة، وإن كانت المبالاة بها، فهي من أَمارات الساعة‏.‏

2652- قوله‏:‏ ‏(‏كانوا يَضْربُوننا على الشَّهادة‏)‏ أي كان كبراؤنا يُؤدِّبوننا على تَكَلُّم لَفْظ الشهادة، لئلا نعتادَ عليه، فنستعمله في مُحَلِّ، وغير مُحلّ‏.‏